فصل: تفسير الآيات (64- 67):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.تفسير الآيات (64- 67):

قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67)}

.مناسبة الآيات لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان حاصل ما مضى الخلاف والضلال والنقمة، كان كأنه قيل: فبين لهم وخوفهم ليرجعوا، فإنا ما أرسلناك إلا لذلك {وما أنزلنا} أي بما لنا من العظمة من جهة العلو {عليك الكتاب} أي الجامع لكل هدى.
ولما كان في سياق الدعاء والبيان عبر بما يقتضي الإيجاب فقال: {إلا لتبين} أي غاية البيان {لهم} أي لمن أرسلت إليهم وهم الخلق كافة {الذي اختلفوا فيه} من جميع الأمور دينًا ودنيا لكونك أغزرهم علمًا وأثقبهم فهمًا، وعطف على موضع {لتبين} ما هو فعل المنزل، فقال تعالى: {وهدى} أي بيانًا شافيًا {ورحمة} أي وإكرامًا بمحبة.
ولما كان ذلك ربما شملهم وهم على ضلالهم، نفاه بقوله تعالى: {لقوم يؤمنون} والتبيين: معنى يؤدي إلى العلم بالشيء منفصلًا عن غيره، وقد يكون عن المعنى نفسه، وقد يكون عن صحته، والبرهان لا يكون إلا عن صحته فهو أخص، والاختلاف: ذهاب كل إلى غير جهة صاحبه، والهدى: بيان طريق العلم المؤدي إلى الحق.
ولما انقضى الدليل على أن قلوبهم منكرة استكبارًا وما يتعلق به، وختمه بما أحيا به القلوب بالإيمان والعلم بعد موتها بالكفر والجهل، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة: الإلهيات، والنبوات، والمعاد، وإثبات القضاء والقدر والفعل بالاختيار، وكان أجل هذه المقاصد الإلهيات، شرع في أدلة الوحدانية والقدرة والفعل بالاخيتار المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدم ليعلم أن أدلة ذلك أكثر من أوراق الأشجار، وأجلى من ضياء النهار فعطف على قوله: {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} قوله جامعًا في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي: {والله} أي الذي له الأمر كله {أنزل من السماء} في الوقت الذي يريده {ماء} بالمطر والثلج والبرد {فأحيا به الأرض} الغبراء.
ولما كانت عادته بذلك مستمرة، وكان السياق لإثبات دعائم الدين، وكان الإحياء بالماء لا يزال أثره قائمًا في زرع أو شجر في بعض الأراضي، أعرى الظرف من الجار لأن المعنى به أبلغ فقال: {بعد موتها} باليبوسة والجدب وتفتت النبات أصلًا ورأسًا.
ولما كان ما أقامه على ذلك في هذه السورة من الأدلة قد صار إلى حد لا يحتاج معه السامع العاقل إلى أكثر من السماع، قال تعالى: {إن في ذلك} الماء المؤثر بتدبيره هذا الأثر العظيم {لآية لقوم يسمعون} هذا التنبيه في هذا الأسلوب المتضمن لما مضى من التشبيه، فيعلمون أنه ينزل من أمره ما يريده فيحيي به أجساد العباد بعد موتها كما أحيى أجساد النبات بالماء بعد موتها وأرواح الأشباح بالعلم بعد موتها، والحاصل ان هذه الأدلة لا تحتاج مع الحس إلى كبير عمل بالقلب غير الانقياد إلى الحق، وترك العناد والجهل، فهو من سماع الأذن وما ينشأ عنه من الإجابة، استعمالًا للشيء في حقيقته ومجازه، ولعله لم يختمها ب {يبصرون} لئلا يظن أن ذلك من البصيرة، فيظن أنه يحتاج فيها إلى كبير فكر فيفوت ما أريد من الإشارة إلى شدة الوضوح.
ولما ذكر سبحانه هذا الأمر العام، ونبه على ما فيه من غريب الصنع الذي غفل عنه لشدة الألف به، أتبعه بعض ما ينشأ عنه من تفاصيل الأمور، المحتوية على عجائب المقدور، وبدأ بأعمها وأشدها ملابسة لهم، وأكثرها في نفسه وأعظمها منفعة ودخلًا في قوام عيشهم، فقال: {وإن لكم} أي أيها المخاطبون المغمورون في النعم! {في الأنعام} ولما كانت الأدلة يعبر بها من الجهل إلى العلم قال: {لعبرة} فكأنه قيل: ما هي؟ فقيل: {نسقيكم} بضم النون في قراءة الجماعة من أسقاه- إذا أعد له ما يشربه دائمًا من نهر أو لبن وغيرهما، وبالفتح في قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية شعبة: من سقاه- إذا ناوله شيئًا فشربه.
ولما كان الأنعام اسم جمع، فكان مفردًا كما نقل ذلك سيبويه، وذكر المسقي وهو اللبن، لما اقتضاه سياق السورة من تعداد النعم فتعينت إرادة الإناث لذلك، فانتفى الالتباس مع تذكير الضمير، قال تعالى: {مما} أي من بعض الذي {في بطونه} فذكر الضمير لأمن اللبس والدلالة على قوة المعنى لكونها سورة النعم بخلاف ما في المؤمنون.
ولما كان موضع العبرة تخليص اللبن من غيره، قدم قوله تعالى: {من بين فرث} وهو الثفل الذي ينزل إلى الكرش، فإذا خرج منه لم يسم فرثًا {ودم لبنًا خالصًا} من مخالط منهما أو من غيرهما يبغي عليه بلون أو رائحة؛ عن ابن عباس- رضى الله عنهما ـ: إذا أكلت البهيمة العلف واستقر في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثًا، وأوسطه لبنًا، وأعلاه دمًا.
والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث في الكرش.
{سائغًا} أي سهل المرور في الحقل {للشاربين} ثم عطف عليه ما هو أنفس منه عندهم وأقرب إليه في المعاني المذكورة، فقال تعالى معلقًا بـ {نسقيكم} {ومن ثمرات النخيل والأعناب}.
ولما كان لهم مدخل في اتخاذ ما ذكر منه بخلاف اللبن الذي لا صنع لهم يه أصلًا، أسند الأمر إليهم وليكون ذلك إشارة إلى كراهة السكر وتوطئة للنهي عنه في قوله مستأنفًا: {تتخذون} أي باصطناع منكم وعلاج، ولأجل استئناف هذه الجملة كان لابد من قوله: {منه} أي من مائه، وعبر عن السكر بالمصدر إبلاغًا في تقبيحه، وزاد في الإبلاغ بالتعبير بأثقل المصدرين وهو المحرك، يقال: سكر سكْرًا وسكَرًا مثل رشد رشْدًا ورشَدًا، ونحل نحْلًا ونحَلًا، فقال تعالى: {سكرًا} أي ذا سكر منشّيًا مطربًا سادًّا لمجاري العقل قبيحًا غير مستحسن للرزق {ورزقًا حسنًا} لا ينشأ عنه ضرر في بدن ولا عقل من الخل والدبس وغيرهما، ولا يسد شيئًا من المجاري، بل ربما فتحها كالحلال الطيب، فإنه ينير القلب، ويوسع العقل، والأدهان كلها تفتح سدد البدن، وهذا كما منحكم سبحانه العقل الذي لا أحسن منه فاستعمله قوم على صوابه في الوحدانية، وعكس آخرون فدنسوه بالإشراك؛ قال الرماني: قيل: السكر ما حرم من الشراب، والرزق الحسن: ما أحل منه- عن ابن عباس- رضى الله عنهما- وسعيد بن جبير وإبراهيم والشعبي وأبي رزين والحسن ومجاهد وقتادة- رضي الله عنهم- م.
والسكر في اللغة على أربعة أوجه: الأول ما أسكر.
الثاني ما أطعم من الطعام.
الثالث السكون.
الرابع المصدر من السكر، وأصله انسداد المجاري مما يلقي فيها، ومنه السكر- يعني بكسر ثم سكون، ومن حمل السكر على السكر قال: إنها منسوخة بآية المائدة، والتعبير عنه بما يفهم سد المجاري يفهم كراهته عندما كان حلالًا؛ والآية من الاحتباك: ذكر السكر أولًا دال على الفتح ثانيًا، وذكر الحسن دال القبيح أولًا، فالآية أدل ما في القرآن على المعتزلة في أن الرزق يطلق على الحرام، ولتقارب آيتي الأنعام والأشجار جمعهما سبحانه فقال تعالى: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم من هذه المنافع: {لآية} ولوضوح أمرهما في كمال قدرة الخالق ووحدانيته قال تعالى: {لقوم يعقلون}. اهـ.

.القراءات والوقوف:

قال النيسابوري:

.القراءات:

{لا جرم} في المد مثل {لا ريب فيه} [البقرة: 2]. {مفرطون} بكسر الراء المشددة: يزيد {مفرطون} بكسر الراء المخففة: نافع وقتيبة. الباقون بفتحها مخففة. {نسقيكم} بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد. الآخرون بضمها.

.الوقوف:

{مسمى} ج للظرف مع الفاء {ولا يستقدمون} o {الحسنى} ط {وقيل علي} لا ثم يبدأ بجرم وهو تكلف. {مفرطون} o {أليم} o {فيه} لا للعطف على موضع {لتبين} تقديره إلا تبياناً وهدى {يؤمنون} o {موتها} ط {يسمعون} o {لعبرة} ط لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف {للشاربين} o {حسناً} ط {يعقلون} o {يعرشون} o ج للعطف {ذللاً} ط للعدول {للناس} ط {يتفكرون} o {شيئاً} ط {قدير} o. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

ثم ذكر تعالى أن مع هذا الوعيد الشديد أقام الحجة وأزاح العلة فقال: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الذي اختلفوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً}.
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المعنى: أنا ما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين لهم بواسطة بيانات هذا القرآن الأشياء التي اختلفوا فيها، والمختلفون هم أهل الملل والأهواء، وما اختلفوا فيه، هو الدين، مثل التوحيد والشرك والجبر والقدر، وإثبات المعاد ونفيه، ومثل الأحكام، مثل أنهم حرموا أشياء تحل كالبحيرة والسائبة وغيرهما وحللوا أشياء تحرم كالميتة.
المسألة الثانية:
اللام في قوله: {لِتُبَيِّنَ} تدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض، ونظيره آيات كثيرة منها قوله: {كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس} [إبراهيم: 1]، وقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
وجوابه: أنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل.
المسألة الثالثة:
قال صاحب الكشاف قوله: {هُدًى وَرَحْمَةً} معطوفان على محل قوله: {لِتُبَيِّنَ} إلا أنهما انتصبا على أنه مفعول لهما، لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب، ودخلت اللام في قوله: {لِتُبَيِّنَ} لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل، وإنما ينتصب مفعولًا له ما كان فعلًا لذلك الفاعل.
المسألة الرابعة:
قال الكلبي: وصف القرآن بكونه هدى ورحمة لقوم يؤمنون، لا ينفي كونه كذلك في حق الكل، كما أن قوله تعالى: في أول سورة البقرة: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]. لا ينفي كونه هدى لكل الناس، كما ذكره في قوله: {هُدًى لّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان} [البقرة: 185]، وإنما خص المؤمنين بالذكر من حيث إنهم قبلوه فانتفعوا به، كما في قوله: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها} [النازعات: 45]. لأنه إنما انتفع بإنذاره هذا القوم فقط، والله أعلم.
{وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65)}.
اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول أربعة: الإلهيات والنبوات والمعاد، وإثبات القضاء والقدر، والمقصود الأعظم من هذه الأصول الأربعة تقرير الآلهيات، فلهذا السبب كلما امتد الكلام في فصل من الفصول في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الآلهيات، وقد ذكرنا في أول هذه السورة أنه تعالى لما أراد ذكر دلائل الآلهيات ابتدأ بالأجرام الفلكية، وثنى بالإنسان، وثلث بالحيوان، وربع بالنبات، وخمس بذكر أحوال البحر والأرض، فههنا في هذه الآية لما عاد إلى تقرير دلائل الإلهيات بدأ أولًا بذكر الفلكيات فقال: {والله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا} والمعنى: أنه تعالى خلق السماء على وجه ينزل منه الماء ويصير ذلك الماء سببًا لحياة الأرض، والمراد بحياة الأرض نبات الزرع والشجر والنور والثمر بعد أن كان لا يثمر، وينفع بعد أن كان لا ينفع، وتقرير هذه الدلائل قد ذكرناه مرارًا كثيرة.